عندما يكشف صدق الجسد خداع العقل.
في الفترة الأخيرة، كلما كتبت أو تحدثت عن فكرة ما، وجدت الحياة تضعها أمامي سريعا في صورة تجربة واختبار.
وكأن الوقت لم يعد يسمح بالتنظير الطويل، بل يدعوني إلى العيش والفهم من الداخل.
لطالما قلت إن أصعب معرفة هي أن يعرف الإنسان نفسه، وأصعب من ذلك أن يواجه حقيقتها كما هي. كانت جملة أرددها من باب التأمل الفكري، حتى وجدت نفسي ليلة أمس أعيش معناها بالكامل فث ليلة من أصعب الليالي .
جملة أو بالأحرى سؤال في محادثة سبق هنا الجسد العقل في الاستجابة .
شعرت بتغير واضح في نبض القلب، وضيق في الصدر، وثقل في التنفس. كانت تلك الإشارات تقول بوضوح إن الجملة لم تلامس فكرة في ذهني فقط، بل كشفت شيئا كنت أتجنب رؤيته في نفسي.
عندها بدأ العقل يمارس دوره المعتاد في الحماية.
راح ينسج المبررات ويحافظ على الصورة التي اعتاد تقديمها، ويحاول إخفاء ما لا يريد ظهوره، بل وخلق منطق وهمي لتبرير الموقف.
هناك جزءا آخر مني كان يراقب كل ذلك بهدوء.
كان يراقب ارتباك الأنا المهددة، ومحاولاتها للدفاع، ويصغي إلى الجسد الذي بدا في تلك اللحظة أكثر صدقا من كل التفسيرات ويحمل أعمق المعاني .
ألم نفسي وجسدي مرّ عبر القلب كأنه يشق طريقه إلى المناطق الخفية.
ومع كل لحظة انكشاف، كانت تظهر دوافع وصور وأجزاء ظلت تعمل في الخلفية لسنوات دون أن أنتبه إليها.
أنا إنسان. لدي رغباتي، واحتياجاتي، وظلالي، ونقاط ضعفي، وأشواقي.
وأتعلم يوما بعد يوم أن أحب كل ذلك وأقبله، لأنه جزء مني.
حتى محاولاتي لتجميل الصورة، أو الاختباء خلف مثالية زائدة، أو تواضع متكلف، أو عمق مبالغ فيه، أصبحت أراها وأقبلها أيضا.
فكل جزء يحمل حكاية، وكل قطب يكشف الآخر. لا نهار بلا ليل، ولا نور بلا ظل.
شكراً لله.
شكراً للتجربة.
شكراً لكل من كان سببا فيها.
وشكراً للألم الذي جاء حاملا معه ما يستحق أن يُرى ويُفهم.
د. عاطف عتمان | هوليستك كوتش ومرشد المعنى والاتزان الشعوري

ليست هناك تعليقات: