"الإساءة إلى الموتى من الوجهة الفقهية "
على هامش الجدل المثار حول الدكتور / مراد وهبة بعد وفاته.
بداية أقول ، هذا المقال جاء استجابة لإلحاحات من قبل بعض متابعي الصفحة ، ومنهم أساتذة أجلاء ، وقد طلبوا مني تحديدا ، الرأي الفقهي في تناول الموتى بسوء ، وإن أساؤوا فعلا.
وها أنا ذا أبين الرأي الفقهي فقط ، لادفاعا عن الدكتور مراد وهبة ولافكره ، ولاتحيزا لمن هاجموه وتناولوه بالسباب والقدح ، وإنما أقدم رؤية فقهية محضة ، أراها قد غابت عن الكثيرين ممن تحدثوا في هذه القضية من منطلق ديني إسلامي …
فقهيا أقول : ليس من الدين ولامن الإنسانية التعرض للموتى بسوء ، أيا كانت قناعاتهم أو مذاهبهم الفكرية أو دياناتهم ، أو كانوا بالنسبة لنا خصوما ألداء .
ففي حديث صحيح صريح ينهى صلى الله عليه وسلم عن سب الموتى عامة بنهي قاطع ، فيقول " لاتسبوا الأموات فقد أفضوا إلى ماقدموا "
وفي رواية أخرى " لاتسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء"
ثم إنه صلى الله عليه وسلم علمنا كيف يُحترم الموتى عامة ، بل (والخصوم منهم )، وبسلوك عملي رفيع القدر ، بقدر خلقه العظيم صلى الله عليه وسلم ، حين نهض واقفا احتراما لجنازة يهودي مرت به إلى مثواها الأخير ، فتعجب الصحابة رضوان الله عليهم من صنيعه هذا ، ظنا منهم أنه صلى الله عليه وسلم ، لايعلم أن صاحب هذه الجنازة يهودي ، فقالوا يارسول الله " إنها جنازة يهودي " فقال صلى الله عليه وسلم " أو ليست نفسا "
ومعلوم أن اليهود بالمدينة وقتها ، لم يكونوا فقط أصحاب ديانة مناهضة للإسلام ، ولكنهم كانوا محاربين معادين ، ولم تفلح وثيقة المدينة المنورة في تحويلهم عن هدف المحاربة للنبي صلى الله عليه وسلم ودولته ، وهي الوثيقة التي أبرمها معهم النبي صلى الله عليه وسلم ، كأهم وأقدم وثيقة تاريخية في المواطنة الحقيقية ، والتعايش السلمي الآمن بين جميع من يسكن وطناً ما ، إذ سرعان ماتفاحش عداؤهم إلى أن أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن مدينته لخيانتهم وغدرهم ، وكان من أمرهم ماكان .
ومما تعلمناه من أدب مشايخنا من أهل السلوك والخشية قولهم " الموت يقطع كل خصومة "
يعني بمجرد أن يموت خصمك عليك أن تبادر إلى مسامحته، إن كانت الخصومة التي بينك وبينه لشيء يخصك ، وهذا هو دأب أصحاب الفضل والمروءة ، أو على الأقل : عليك أن تكف عن التحدث عنه بسوء، ولك أن تأخذ حقك بالطرق المشروعة .
أما إن كانت الخصومة لأمر يخص الإساءة إلى دينك أو مقدساتك أو وطنك ، فالأمر حينئذ ليس لك ،وليترك حسابه على الله تعالى ، مع كف لسانك كذلك عن التحدث عنه بسوء، لأننا نهينا عن سب أديان الآخرين أو مقدساتهم وإن فعلوا هم ذلك بنا .
يعنى لامعذرة لأحد في سب الموتى أو تناولهم بسوء ، أيا كانت الأسباب ، وأيا كانت توجهاتهم .
بدليل ، أنه لم يُجز المحققون من الفقهاء الحكم على إنسان معين ، أكرر" إنسان معين " بدخول النار أبدا، كأن تقول : فلان هذا في النار ، قالوا : حتى وإن كان على غير دين الإسلام ، وعدوا هذا من باب التألّه على الله سبحانه وتعالى .
وأضافوا : لأن أمر الخاتمة يظل علمه عند ربنا في كتاب ، هذا أولا ، وثانيا : مراعاة لحرمة أقاربهم وحفاظا على مشاعرهم ، فما ذنبهم إن كان قريبهم هذا فاسدا أو ماجنا أو سارقا ، أو أو … .
فأذى الميت حينئذ يعتبر أذى مضاعفا ، للميت وللحي معا ، ولاتخفى شدة التحريم حينئذ .
ولاشك أن رأي الفقهاء هذا له وجاهته ، لأن أذى الناس في فقيد لهم، ليس من الإنسانية في شيء ، ولماذا يحمّل أقارب الأحياء إثم الأموات ؟ ،هذا على فرض إثمهم " فكل امريء بما كسب رهين "
وللأصوليين في هذا قاعدة جليلة ، تقول "الشارع يتشوف إلى الستر "
والتشوف هذا مرتبة فوق الهدف وفوق المقصد ، لأن هتك الأسرار وإذاعة السوء معناه : هدم الفضيلة ، وهذان يهدمان المجتمعات هدما ، والخاسر هو الجميع ،ويتأكد هذا في حق الموتى بلا خلاف .
مرة أخرى علينا أن نتأدب بأدب " علمه عند ربي في كتاب"
بل إن من أدب القرآن الكريم العالي المفارق : نهيه عن سب آلهة المشركين ورموزهم ومقدساتهم ، حتى ولو كانت أصناما تعبد من دون الله ، فقال تعالى " ولاتسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم "
ويبلغ هذا الأدب منتهاه في قوله تعالى في هذه الآية " " بغير علم " فكأن القرآن الكريم يعتذر لهؤلاء المتطاولين على الذات العلية ، لكونهم لايعلمون ، إذ لو علموا حقيقة "لاإله إلا الله" لما طوعت لهم أنفسهم هذا السباب ، ثم تأملوا ختم الآية بقوله تعالى " كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبؤهم بما كانوا يعملون "
الله على الروعة والعظمة !!
فكل أهل ملة أو قناعة أو أيدلوجية ، يرون أنفسهم على الحق ، والله تعالى يتركهم أحرارا مختارين فيما زينته له نفوسهم وعقولهم ، إذن ليتركهم الناس ومايدينون ، والحساب عند الله سبحانه وتعالى .
لماذا إذن نصر على أن ننازع الله تعالى في أخص خصوصياته" الفصل بين الناس يوم القيامة" وأصبح كل واحد منا بيده المنتهى وإليه المصير ، والعياذ بالله .
على كل واحد منا أن يشغل نفسه بخاتمته ، فلا يدري أحد بماذا يختم له ،
وكان هذا هو دأب العارفين من أهل الفقه والفهم ، حتى نقل عنهم أنهم كانوا أكثر مايسألون ربهم : هو حسن الخاتمة.
وماأحسن هذا الدعاء الوارد عنه صلى الله عليه وسلم " يامقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك "
حقيقة ، لاأدري أي دين هذا الذي يتحدثون باسمه ؟ إن هذه الشماتة والفظاظة والكراهية ، لايمكن أن تكون دينا ، ولافي أخلاق الناس شيئا حسنا ، فكل الديانات تتبارى في الدعوة إلى السلم ، والمحبة ، والرحمة …
ومع الموتى : الأمر أوسع وآكد .
وكل أذى يوجه إلى ميت في رأيي ، هو آية القسوة ، وإذا كان هذا الميت من أهل الفكر والرأي ، فهو آية ضعف الحجة ، والعجز عن مواجهته حيّا .
والنقد على كل حال يجب أن يوجه إلى الفكر لاإلى الشخص ، ومن سكت عنه الناس في حياته ، لاينبغي أن تمزقه سهامهم بعد وفاته .
وأنا هنا أتحدث عن المتجاوزين في نقدهم ، أما النقد العلمي للمواقف والأفكار دون سباب أو تطاول - وللفكر لاللشخص- بهدف التوعية والمناقشة وإثراء البحث والدرس ، فهذا مشروع في حق الجميع ، أحياء وأمواتا ، ولكن من قبل أهل الاختصاص.
وكلنا حال ممارسة البحث العلمي ينتقد ويعترض ويحاجج وينتصر ويفنّد الحجج والبراهين ، حتى مع كبار العلماء والأئمة ، وهذه هي طبيعة العلم والبحث .
و أؤكد مرة أخرى على أن هذا المقال ، لم يكتب دفاعا عن الدكتور مراد وهبة ،
ولاتحيزا لمن هاجموه وتناولوه بالسباب ، كما أنه ليس انتقادا لمن أعرب عن رأيه في فكره وتوجهه بأدب العلماء وطريقتهم في النقد ، كالأستاذة الكبيرة " الدكتورة يمنى الخولي " مثلا -لاسيما وقد واجهت أستاذها بنقدها له حيا ووجها لوجه ، ولم يغضب ، هي إذن لم تؤذه ميتا ، ولم تتدخل كذلك في الحكم على مصيره الأخروى ، وأعتقد أن سيادتها - وهي من هي خلقا وعلما - لو كانت تعلم عاقبة ماعبرت عنه بقناعة وبأدب في حق أستاذها ،لأمسكت لتحتفظ به لنفسها ، أو لتفصح عنه ولكن بين من يضعه في موضعه .
باختصار ، أقول : المقال يدافع عن قيمة عليا في نظري ، وهي " وجوب مراعاة حرمة الموتى " ومن الوجهة الفقهية البحتة ، التي هي بطبيعة الحال لاتنفصل عن الوجهة الإنسانية، فديننا إنساني بامتياز .
وأؤكد على أن نقد الأعمال والأفكار واجب ، ولكن الفكر ، لاصاحبه ، لتمييز جيده من رديئه .
وأتمنى أن يُجازى ذوو الفكر في بلادنا في حياتهم وبما يليق بهم ، أحسنوا أم أساءوا ،
أما أصحاب الإساءات الكبرى في حق الأديان أو المقدسات أو الأوطان حين يثبت يقينا لدى الجهات المختصة أنهم ارتكبوا شيئا من ذلك ، وأخطرها في عصرنا مؤازرة الصهيونية العالمية ، ودعمها ولو فكريا فقط ، وهي لاتزال مقيمة على جرائمها البشعة في حق الشعب الفلسطيني وغزة تحديدا …
فهؤلاء يجب أن يحاكموا وهم أحياء، بتهمة خيانة الأوطان والمقدسات معا ، ودون هوادة، ولكن تحاكمهم السلطات المختصة وبمنتهى العدالة ، ودور العلماء والمفكرين يجب أن لايتعدى النقد والتقويم والمراجعة وقرع الحجة بالحجة والتحذير منهم ومن أفكارهم ، أما أن نتركهم وهم أحياء منعمون ومكرمون ، حتى إذا ما سقطوا أمواتا افترسناهم بهذه القسوة ، فهذا مالايجوز فقها ولاخلقا..
والخلاصة هي أن الموتى جميعا أمرهم إلى ربهم ويجب حفظ حرماتهم ، وتبقى آثارهم وأفكارهم ميدانا للدرس والمراجعة والنقد ، وإما أن يكتب لها القبول فتخلّد، أو تذهب إلى حيث ذهب غيرها ، والتاريخ لايرحم أحدا .
وصدق الله العظيم " فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض "
ليست هناك تعليقات: