مساحة إعلانية

مراد وهبة: حينما يفضح الفيلسوف ظلال الأصولية

عاطف عبدالعزيز عتمان يناير 11, 2026

 مراد وهبة: حينما يفضح الفيلسوف ظلال الأصولية

بناءً على اطلاعي على كتابات الدكتور مراد وهبة -رحمه الله- (والتي أتفق مع بعضها وأختلف مع الآخر)، وجدتها ثورةً ضد الدوغمائية وقهر العقل باسم الدين، ورفضاً قاطعاً لتحويل النسبي إلى مطلق.

​يقف وهبة ضد استعباد الإنسان وقهرة بشتى صوره، وينتصر للعقل بوصفه سيداً ونهجاً لفهم النص. 
فالرجل لم يكن يعادي ديناً بعينه، بل كان يناهض تحول الدين -بشكل عام- إلى أداةٍ لـ الاستحمار والقهر.


​وهنا يبرز التساؤل: لماذا هاج الإسلاميون وأظهروا قبحاً لم يقتصر على نقد فكر الرجل بل طال شخصه وإدانته ، في حين لم يصدر رد فعلٍ مماثل من المسيحيين، رغم أن موقفه النقدي من استغلال الدين كان شاملاً؟


​من الناحية النفسية والشعورية، يمكن تفسير حالة الهياج التي أصابت الأصوليين ومن تبعهم بغير وعي، بأن وهبة كشف لهم ما يحاولون إخفاءه حتى عن أنفسهم. 
وبالمفهوم اليونغي" (نسبة لكارل يونغ)، فقد أظهر لهم ظلال نفوسهم؛ تلك الجوانب المظلمة التي يرفضون الاعتراف بها رغم أنها المحرك الرئيس لهم من خلال اللاوعي . 
لقد فضح أزمة الدوغمائية، وعبادة النصوص بدلاً من إعمالها، وصراع المطلقات، وجريمة تحويل النسبي إلى مطلق، وما ينجم عن ذلك من عنف مقدس نابع من ادعاء احتكار الحقيقة.


مفهوم العلمانية عند وهبة. 

بالنسبة لمراد وهبة، العلمانية هي التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق. 
الإسلام السياسي يرى في هذا الطرح تهديداً مباشراً لشرعيته القائمة على الحاكمية (تحويل رؤيتهم البشرية للنص إلى حكم إلهي مطلق)، لذا كان الهجوم شخصيا لإسقاط المرجعية الفكرية التي تنسف بنيانهم من القواعد .
ربما لم يهاجم المسيحيون وهبة بنفس الحدة لأن المؤسسة الدينية لديهم (في سياقها المعاصر) لا تطرح نفسها كبديل للدولة المدنية أو كسلطة تشريعية سياسية بنفس الزخم الذي يطرحه الإسلام السياسي، مما جعل نقد وهبة يبدو فلسفياً للمسيحيين، بينما رآه الإسلاميون سياسياً وجودياً.


تفكيك الأصولية

وهبة عرف الأصولية بأنها اعتقاد بأن المعنى الحرفي للنص يمتلك حقيقة مطلقة عابرة للزمان. 
هذا التفكيك يضرب جذور الهوية التي يبنيها الأصولي لنفسه؛ فبدون المطلق، يشعر الأصولي بالضياع والعدم، لذا يدافع عن صنمه الفكري بشراسة دفاع الحيوان عن البقاء .


العنف المقدس: من التنظير إلى الواقع السياسي

​إن العنف المقدس الذي حذر منه مراد وهبة ليس مجرد نتاج للجهل، بل هو ثمرة حتمية لعملية تأليه النسبي؛ ففي واقعنا السياسي المعاصر، يتم استدعاء النصوص وتأويلها لا لهداية الروح، بل لرسم حدود من الدم بين نحن (باعتبارنا حراس الحقيقة المطلقة) وهم (باعتبارهم أعداء الله).
​هذا الصدام بين المطلقات يحول الخصومة السياسية من منافسة مدنية قابلة للتفاوض إلى حرب وجودية لا تقبل إلا بمحو الآخر. 
عندما يرى الأصولي في أفكار وهبة تهديداً لمطلقه، فإنه لا يمارس نقداً فكرياً، بل يمارس عنفاً مقدساً يهدف إلى اغتيال الشخص معنوياً وتكفيره، لأن الحوار مع النسبي بالنسبة له هو اعتراف بضعف المطلق. 


إن ما نراه اليوم من استقطاب حاد وتوظيف للدين في الصراعات السياسية هو التجسيد العملي لما وصفه وهبة بـ موت العقل؛ حيث تُستبدل البرامج السياسية بالبيانات العقائدية، ويصبح القتل -مادياً كان أو رمزياً- واجباً مقدساً لحماية أوهام امتلاك الحقيقة.


مشاركة
مواضيع مقترحة

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة لــ واحة الأريام