هل تبدأ أول صدمة في حياتنا لحظة الولادة؟
ماذا لو كان جزء من القلق الذي نحمله اليوم يعود إلى أول لحظة انفصال مررنا بها؟
لحظة الخروج من دفء الرحم وأمانه إلى عالم مليء بالأصوات والضوء والتغيرات المفاجئة.
هذه الفكرة طرحها المحلل النفسي النمساوي أوتو رانك في كتابه الشهير "صدمة الولادة" عام 1924. وكانت من أكثر الأفكار جرأة وإثارة للجدل في تاريخ علم النفس.
ما الذي قاله أوتو رانك؟
في الوقت الذي كان فيه فرويد يعتبر أن جذور الاضطرابات النفسية تبدأ مع العقدة الأوديبية في سنوات الطفولة، رأى رانك أن هناك حدثًا أسبق وأعمق:
لحظة الولادة نفسها.
فمن وجهة نظره، تمثل الولادة أول تجربة انفصال يمر بها الإنسان، وأول مواجهة مع الخوف وعدم اليقين وفقدان الأمان المطلق.
القلق ليس مجرد شعور عابر
اعتبر رانك أن كثيرًا من أشكال القلق التي نختبرها لاحقًا قد تكون صدى لتلك التجربة الأولى.
بل ذهب أبعد من ذلك، فرأى أن الإبداع والفن والأساطير والدين تعكس محاولات إنسانية مستمرة للبحث عن المعنى واستعادة الشعور بالأمان والانتماء.
ولماذا رفض فرويد هذه الفكرة؟
كان اعتراض فرويد الرئيسي أن دماغ المولود الجديد غير مكتمل النمو، وبالتالي لا يستطيع تخزين هذه الخبرة في ذاكرة واعية.
لذلك اعتبر أن تفسير المعاناة النفسية كلها من خلال تجربة الولادة وحدها يمثل تبسيطًا مفرطًا.
وماذا يقول العلم اليوم؟
بعد مرور قرن تقريبًا، كشفت أبحاث علم النفس الجنيني وعلم الأعصاب وعلم فوق الجينات أن الجنين يتأثر بالفعل بالظروف النفسية والفسيولوجية المحيطة به أثناء الحمل والولادة.
كما أظهرت الدراسات أن الخبرات المبكرة جدًا يمكن أن تترك آثارًا طويلة المدى على الجهاز العصبي واستجابات الإنسان للضغط والتوتر.
لكن من المهم توضيح أن العلم الحديث لا يؤكد نظرية رانك بالكامل، ولا يعتبر أن كل القلق الإنساني سببه صدمة الولادة وحدها.
ما تؤكده الأبحاث هو أن التجارب المبكرة تترك بصمات حقيقية في الجسد والجهاز العصبي، حتى عندما لا نتذكرها بوعي.
رؤية علاجية
في العمل العلاجي، نلاحظ كثيرًا أن بعض المعاناة لا ترتبط بذكريات واضحة أو أحداث نتذكرها بالكلمات.
الجسد أحيانًا يحتفظ بما لا يستطيع العقل روايته.
ولهذا تتجه العديد من المدارس العلاجية الحديثة إلى العمل مع استجابات الجسد والجهاز العصبي، وليس مع الأفكار والذكريات فقط.
ربما لم يمتلك أوتو رانك أدوات الإثبات العلمي المتاحة اليوم، لكنه طرح سؤالًا ما زال حيًا:
كم من قصتنا النفسية بدأ قبل أن نمتلك الكلمات؟
د. عاطف عتمان | هوليستك كوتش ومرشد المعنى والاتزان الشعوري
نساعدك في رحلتك نحو الوعي الذاتي والتعافي من آثار الصدمات.
ممارس معتمد لتقنيات PEAT لتحرير المشاعر السلبية واستعادة الاتزان.
"التعافي يبدأ عندما نفهم ما نحمله في داخلنا، ونتعامل معه بوعي ورحمة."
مراسلة Dr Atef Etman عبر واتساب. https://wa.me/message/R42YYQMP2RC6I1
هذا المحتوى لأغراض تثقيفية، ولا يغني عن استشارة المختص.

ليست هناك تعليقات: