أمازيغ شمال إفريقيا.. ثلاثية الأرض، الهوية، والتسامح
تواصل الأريام رحلتها وهذه المرة قبلتها الأمازيغ
👂اسمع رأي بن خلدون في الأمازيغ في كتابه «العبر وديوان المبتدأ والخبر» حين وصف خصال الأمازيغ، فقال:
«وأما تخلقهم بالفضائل الإنسانية، وتنافسهم في الخلال الحميدة، وما جبلوا عليه من الخلق الكريم الذي هو مرقاة الشرف ورفعة الأمة، ومدعاة المدح والثناء من الخلق؛ من عزة الجوار، وحماية النزيل، ورعي الأذمة، والوفاء بالعهد، والصبر على المكاره، والثبات في الشدائد، ولين الجانب، والإغضاء عن العيوب، والتجافي عن الانتقام، ورحمة المسكين، وبر الكبير، وتوقير أهل العلم، وقرى الضيف، والإعانة على النوائب، وعلو الهمة، وإباية الضيم، ومشاقة الدول، ومقارعة الخطوب، وغلاب الملك...»
هذا النص يُجسِّد خلاصة الروح الإنسانية التي طبعت السلوك الأمازيغي من الكرم، حماية الضعيف، الوفاء بالعهد، الصبر، والتسامح.
📕يعود الوجود الأمازيغي في شمال إفريقيا إلى أكثر من 3000 سنة قبل الميلاد، وقد ذكرهم المصريون القدماء باسم «التمحو والتحنو». مرَّت عليهم دول وإمبراطوريات (الفينيقيون، الرومان، البيزنطيون)، ولكنهم حافظوا على استقلاليتهم الثقافية والقبلية.
🟢 بعد الفتح الإسلامي، اعتنق معظمهم الإسلام وأسهموا إسهامًا كبيرًا في الحضارة الإسلامية (كالمرابطين والموحدين).
وفي العصر الحديث، واجهوا الاستعمار الأوروبي بمقاومة شرسة، كما في ثورة الريف بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي.
🟨في الحياة اليومية الأمازيغية، تظهر قيم التسامح من خلال
🔸حماية النزيل (الغريب) فالأمازيغي يُؤوي من يلجأ إليه ويحميه حتى لو كان من خصومه.
🔸إكرام الضيف عند الأمازيغ لا يُعتبر مجرد عادة، بل هي فرض أخلاقي.
🔸الاحتفاء بالحياة كرقصة «أحيدوس» الجماعية التي تُعبِّر عن الفرح والتضامن بين الرجال والنساء، وهي رمز للتحرر والانفتاح.
🔸الوشم كتعبير عن الهوية فكان الوشم يُمارس كفنٍّ وجزء من الهوية، خاصة لدى المرأة، مما يدل على تقدير الجسد والتعبير الفني الحر.
📝 التحنو والتمحو هما من أقدم التسميات التي عرفها التاريخ للإشارة إلى المجموعات الليبية القديمة (أجداد الأمازيغ) في النصوص المصرية القديمة.
1. التحنو (Tehenu)
هم من أقدم المجموعات التي ذكرتها السجلات المصرية (منذ عصر ما قبل الأسرات والدولة القديمة).
كانوا يستوطنون المناطق الواقعة غرب الدلتا (الصحراء الليبية الشرقية).
يُعتقد أن اسمهم مرتبط بـ أرض الزيتون أو الزيت، حيث اشتهروا بإنتاج زيت الزيتون عالي الجودة وتصديره للمصريين.
في النقوش المصرية، يُرسم التحنو بملامح متوسطية، وغالباً ما يُشار إليهم كجيران مسالمين وتجار، مما يعكس جذور التبادل الثقافي والاقتصادي المبكر.
2. التمحو (Tamahu)
ظهر هذا الاسم لاحقاً في النصوص المصرية (خاصة في الدولة الوسطى والحديثة).
كانوا يسكنون المناطق الأكثر توغلاً في الغرب والشمال الأفريقي.
وصفهم المصريون القدماء بأنهم ذوو بشرة فاتحة، وعيون ملونة، وشعر أشقر أو أحمر أحياناً.
ما يثير الدهشة ويربطنا بحديثنا السابق هو أن التمحو ظهروا في النقوش المصرية وهم يضعون وشوماً على أجسادهم (خاصة الساقين والذراعين).
كيف يرتبط التمحو والتحنو بقيم التسامح؟
"التحنو لم يكونوا منغلقين؛ بل كانت علاقتهم بمصر قائمة على المقايضة وتوريد الزيوت والماشية، وهو ما يفسر الانفتاح المتأصل في الشخصية الأمازيغية.
📘 أن بعض المؤرخين يربطون بين كلمة "تمحو" وبين جذر لغوي أمازيغي قديم يشير إلى "أهل الأرض" أو الأحرار، وهو المعنى نفسه الذي تحمله كلمة "أمازيغ اليوم.
🕊️قيم التسامح والإنسانية عند الأمازيغ 🌿
🟨 التسامح عند الأمازيغ ليس شعاراً يرفع، بل نظام حياة يتجلى في نظام تجمعت (Tajma’at) ربما كأقدم برلمان شعبي عرفته البشرية، حيث تُحل النزاعات بالشورى والتراضي، والفرد مسؤول عن جماعته.
🟥 احتضان المعتقدات فعند الأمازيغ عاش الوثني، اليهودي، المسيحي، والمسلم معا في نفس القرية والجبل، هذا التسامح العفوي تابع من إيمانهم بأن الإنسان أسبق من المعتقد... الإنسان أسبق من المعتقد!
🟨حماية النزيل (أنامار)
تُعتبر هذه النقطة من أقدس القوانين العرفية (الأزرف) عند الأمازيغ.
تاريخياً، كان الشخص الذي يطلب اللجوء يُسمى المستجير، وبمجرد دخوله في حماية القبيلة أو رب الأسرة، يصبح المساس به مساساً بشرف القبيلة كلها.
التسامح هنا يظهر في تجاوز الصراعات الشخصية أو القبلية من أجل قيمة إنسانية أعلى وهي حق الأمان.
🟣الاحتفاء بالحياة (رقصة أحيدوس)
أحيدوس"(خاصة في الأطلس المتوسط والكبير) ليست مجرد رقصة، بل هي هندسة اجتماعية.
تتميز الرقصة بوقوف الرجال والنساء جنباً إلى جنب في صفوف أو دوائر مغلقة، مما يرمز إلى المساواة، التضامن، والشفافية. لا توجد تراتبية، والجميع يغني بصوت واحد، مما يعزز روح الجماعة والقبول المتبادل... الرجل مثل المرأة وفي الدائرة الكل للمركز سواسية.
🟩 أساغار (Asafar) فالكرم ليس فقط بالمال، بل بالجود بالنفس واستقبال الغريب كصاحب دار.
يتجلى في الكرم اللامشروط، حيث يتم استقبال الغريب دون السؤال عن أصله أو دينه أو غرضه في البداية، مما يكسر حواجز الغربة عند الآخر.
🕊️من الأمازيغ نتعلم أن الحياة المشتركة تحتاج إلى احترام الآخر، قلب مفتوح، ونبل النفس في دائرة من المحبة .
ليست هناك تعليقات: