🕊️ بين غريزة الثأر وسمو الروح.. تأملات في فقه اللاعنف 🕊️
📘 {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} - قرآن كريم.
📑 «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا» - إنجيل متى.
🔴 يمثل هذان النصان ذروة الأخلاقيات الروحية في مواجهة الشر والعنف. إنهما نصان مقدسان يكاد حصادهما على الأرض يكون ضئيلاً، إذ غالباً ما يتم التحايل عليهما أو تجاهلهما لصالح نصوص أخرى تُلبي الهوى البشري؛ فالبشر يميلون لاختيار النصوص التي تبرر مواقفهم ومصالحهم، خاصة تلك المتعلقة بالدفاع عن النفس أو استرداد الحقوق.
🔴 الحقيقة أن هذين النصين يمثلان المثالية الأخلاقية العليا التي تتحدى الإنسان ليرتقي فوق ردود الفعل الغريزية. ولعل قلة الحصاد الأرضي تعود إلى أن هذه البذور تحتاج تربةً قلبيةً خاصة ونضجاً روحياً عالياً لتؤتي أكلها.⁉️ فهل أخفقنا كمجتمعات دينية في تربية أجيال قادرة على فهم هذه النصوص وتطبيقها بحكمة، أم أن الطبيعة البشرية تجد دائماً مسوغات للابتعاد عن هذه الذروة الأخلاقية؟
🟡 إنَّ تحقيق التوازن بين مقاومة الظلم وكسر دائرة "الفعل ورد الفعل" العدوانية هو جوهر الفن الحضاري والروحي؛ وذلك يتطلب تحولاً في الفهم من رد الفعل الغريزي إلى الفعل الأخلاقي الواعي.
👈 رد الفعل الغريزي: هو الدائرة التي ينبغي كسرها، إذ يكون دافعه الغضب والرغبة في الانتقام وإثبات الذات، ويكون تركيزه منصباً على "الظالم" لقهره وإذلاله باستخدام أدواته نفسها.
👈 الفعل الأخلاقي الواعي: يتجاوز منطق الثأر ليكون دافعه إقامة العدل وحماية الكرامة، مركّزاً على "الظلم" كفعلٍ لا على "الظالم" كشخص، وذلك عبر وسائل أخلاقية (سلمية وقانونية) تترفع عن وسائل الظلم التي وقعت. الهدف هنا هو تصحيح المسار وإصلاح العلاقة إن أمكن، أو على الأقل وقف التعدي.
📕 لقد جسدت حركات "المهاتما غاندي" في الهند و"مارتن لوثر كينغ" في أمريكا هذا المبدأ، حيث واجهوا الاستعمار والتمييز العنصري بالعصيان المدني والمقاطعة والخطاب الموجه لضمير الخصم، لا لتحريض الكراهية.
📚 ختاماً..
إنَّ السموَّ الأخلاقي الذي نادت به السماء ليس وهَنًا استكانت إليه الأيدي، بل هو "بطولةٌ" استعصت على الغرائز.
إنَّ كسر دائرة العنف لا يعني الصمت عن الظلم، بل يعني رفض الانحدار إلى مستوى الظالم؛ فمن الهزيمة أن ننتصر على عدوّنا بتبني أخلاقه.
🦌إنَّ العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيدٍ من ردود الأفعال التي لا تُنتج إلا نسخاً مشوهة من الكراهية، بل يحتاج إلى فعلٍ أخلاقي شجاع، يجرؤ على مواجهة النار ببرد السلام، ومقابلة الجهل بنور الحكمة.
فالحضارة الحقيقية لا تُقاس بما شيدته الأيدي من بنيان، بل بما شيدته الروح من ترفعٍ عن الضغينة.. ليبقى الإنسان إنساناً، ولو بسط إليه الموت كفَّه.


ليست هناك تعليقات: