مساحة إعلانية

سجن النباهة الزائفة

عاطف عبدالعزيز عتمان أبريل 18, 2026




سجن النباهة الزائفة.

✍️ كنا أطفالاً صغاراً نعدو خلفه، نتنمر على حركته الثقيلة، واعوجاج جسده، وضياع حروفه، وما يمكن أن نسميه إعاقة جسدية ونفسية ــ ولن أقول ذهنية ــ عادت تلك الذكريات تمر أمامي كشريط سينمائي، وصوت الخطيب يقرع أذني مختلطا بالذكريات .

🔸🔸 مرت السنون تلو الأيام، وإذا بي أراه وقد بلغ من الكبر عتياً، لكنها رؤيةٌ غير الرؤية، ولقاءٌ ليس ككل لقاء،فلقد رأيت نفسي.
أكل الزمان وشرب من جسده المنهك بطبيعته، وكسى الشيبُ الوجه والرأس، فوارى تضاريس إرهاقه.


🔹🔹 الشيخ مشغول بما يجب وما يجوز، وبما أفتى به مالك وما أباحه النعمان ــ رضوان الله عليهما ــ وأنا في عالم آخر؛ أنظر إليه وأتساءل: لماذا يُردُّ المرء إلى أرذل العمر؟!


🔷 الفقه يعالج الظاهر، وتلك وظيفة الخطيب، وعالم الظاهر قد ضاق عليَّ ولم يعد يسعني؛ فأنا أحاول اقتحام عالم الملكوت لأفهم: لماذا يُردُّ إلى أرذل العمر؟
لماذا تمتد المعاناة لمن يعاني ــ بنظرة سطحية ــ بلا هدف؟
ما قيمته في الحياة؟
وماذا أضاف لها؟
ولماذا يطول به العمر فيجتمع الشيب مع الإعاقة وتستمر المعاناة؟


🦌 بدأ قلبي ــ على غير عادته ــ يشعر بذبذبة تلك الروح العظيمة التي منحتني شعوراً لم أعهده من قبل.. يا إلهي ما هذا!
سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبحان ربي؛ ما خلق شيئاً عبثاً قط، حتى وإن بدا ظاهره عبثياً.


🕊️في التراث الصوفي وبعض المدارس الروحية، يُقال إن بعض الأرواح تأتي بتجارب ثقيلة، ليس لأنها أقل… بل ربما لأنها تتحمل.
لا أجزم بهذا.
لكن… قلبي صدّقه.


تلك الروح التي اختارت هذه التجربة الصعبة، وهذا العمر الطويل في ظاهر المعاناة، لا بد أنها جاءت لتمنح محيطها ــ بل والأرض كافة ــ ما نغفل عنه. إنه معلم وليس ضحية، والنظر إليه ينبغي أن يكون نظرة تقدير لا شفقة؛ فأنا مَن يستحق الشفقة.


🌼 آه.. ما أخيب التلميذ الذي سجنوه دائماً في "سجن النباهة الزائفة"!
سجن النباهة الزائفة هو أن تظن أنك ترى…وأنت في الحقيقة لا ترى شيئًا.
لأول مرة أشعر بعظمة تلك الروح، فانحنيت أقبلها اعتذاراً عن غفلة كانت وجهالة زالت، وأردت أن أقتبس منها نوراً.


🌼 لا يخلق الله شيئاً عبثاً، وربَّ مجهولٍ في الأرض معلومٌ في السماء. تلك الأرواح التي اختارت تجارب صعبة هي أرواح راقية، جاءت فقط لتخدم وتؤدي دورها المجهول الذي لا أزعم معرفته، لكنه يلامس قلبي؛ لا أجزم بفهمه فقد عجز المنطق العقلي، لكن قلبي يشعر به..


👈 يا أريامي: لا تحقرنَّ مخلوقاً قط؛ فكما قال الكبريت الأحمر 

"لن تبلغ من الدين شيئاً حتى توقر جميع الخلائق، ولا تحتقر مخلوقاً ما دام الله قد صنعه".


التوقير ليس أدباً اجتماعياً، بل هو شرط وجودي للترقي الروحي؛ فمن يحتقر الصَّنعة فقد أساء إلى الصانع، وإن كان ذلك للمخلوقات كافة، فما بالنا بالإنسان؟!


🔸 إلى سادتي من الدراويش ومن نُسميهم ذوي الإعاقة الذهنية ممن يُطلق عليهم أهل الله.. 

نعم، هم أهل الله، وأرواحهم أهلٌ لنوره.. 

سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، وسلام على جهالة حجبتني عن نوركم طويلاً، وسلام على سجن الأوهام الذي منعني من رؤيتكم بما تستحقون.
أخرجني صوت الإمام من صلاتي ليعلن موعد الآذان.
مشاركة
مواضيع مقترحة

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة لــ واحة الأريام